السيد علي الموسوي القزويني
39
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
وما ذكر من الأولويّة الاعتباريّة بمجرّده لا يصلح لذلك بعد قيام احتمال معنى غير موجب له ، ومرجعه إلى أنّ الاحتمال ولو ساعد عليه الاعتبار لا يعارض أصالة الحقيقة . وأمّا عدم جواز الوصف على المعنى الاسمي بدون التجرّد ، فقد يعلّل : بكونه من جهة جمود اللفظ بهذا المعنى ، وهو أيضا ليس بسديد ؛ فإنّ أسماء الآلة يعدّ عندهم كأسماء المكان والزمان من المشتقّات الاسميّة ، فكيف يلائمه الحكم على « الطهور » بالجمود . فالأولى إرجاع ذلك إلى قاعدة التوقيف ، نظرا إلى أنّ الأوضاع مجازيّة أو حقيقيّة ، شخصيّة أو نوعيّة ، إفراديّة أو تركيبيّة ، لا تتلقّى إلّا من الواضع ، ومن الأوضاع النوعيّة التركيبيّة توصيف شيء بشيء في الكلام ، وهذا ممّا لم يثبت في خصوص أسماء الآلة ، كما أنّه لم يثبت في أسماء الزمان والمكان ، والّذي يفصح عنه إنّما هو الاستهجان العرفي فيما لو أخذ شيء من هذه وصفا بلا ارتكاب تجريد كما لا يخفى . ثمّ العجب عن شيخ الحدائق « 1 » وسيّد الرياض « 2 » أنّهما تعرّضا لذكر احتمال إرادة المعنى المذكور ، وظاهرهما الارتضاء به ، بل ظاهر الثاني الاعتماد عليه ، مع أنّه تنبّه على ابتناء ذلك على التأويل المذكور . ومنها : ما يظهر عن المدارك « 3 » من ابتناء ذلك على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ « طهور » للمطهّر - كما أشرنا إليه آنفا - وظاهره أنّه لا خصوصيّة للفظ « طهور » في تلك الدعوى ، بل الحقيقة الشرعيّة لو كانت ثابتة فيه فإنّما هو لثبوتها في مبدأ اشتقاقه وهو الطهارة ، كما أشار إليه قبل ذلك عند شرح « الطهارة » لغة وشرعا ، فقال - بعد ذكر معناها اللغوي - : « وقد استعملها الشارع في معنى آخر مناسب للمعنى اللغوي ، مناسبة السبب للمسبّب ، وصار حقيقة عند الفقهاء ، ولا يبعد كونه كذلك عند الشارع أيضا على تفصيل ذكرناه في محلّه » 4 . وهذه الدعوى في خصوص تلك اللفظة - بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة -
--> ( 1 ) الحدائق الناضرة 1 : 174 . ( 2 ) رياض المسائل 1 : 131 حيث قال - بعد احتمال إرادة المعنى الاسمي ، أي ما يتطهّر به ، في معنى الطهور - : « وإن احتيج في وصفه به حينئذ إلى نوع تأويل » . ( 3 ) 3 و 4 مدارك الأحكام ، 1 : 27 و 6 .